الحريات ... ثقب في سفينة 25 جويلية

الحريات ... ثقب في سفينة 25 جويلية

الحرية . . . صرخة سعيد منذ الخامس والعشرين من جويلية، يذكر بها من لم يتذكر ساهيا، ويخاطب بها من لم يسمع غافلا، فالرئيس الأوحد لا يترك فرصة في لقاء داخلي أو خارجي إلا وأصرّ على أنه الحامي الأول للحقوق والحريات وأنها مكفولة بنص الدستور.  

ثم يعود سعيد عن قصد أو عن حسن نية في ذات الخطاب ليعلن أن الدستور لم يعد صالحا للجمهورية الجديدة التي يطلق عليها أنصاره "الثالثة". 

الواقع يكذب ما يقول الرئيس كل يوم، فسعيد منذ فجر السادس والعشرين من جويلية سارع إلى إغلاق مكتب قناة أجنبية خوفا من الكلمة وخوفا من الرأي الآخر، بغض النظر عن المادة التي تنقلها تلك القناة والتي يصفها البعض ب"لسان التهويل".  

سياسة الرئيس "المنقذ" لم تتوقف عند هذا في مجال التضييق على حرية الصحافة، فالكل بلغ إلى مسامعه واقعة مراسل اذاعة موزاييك "خليفة القاسمي"، الذي رفض الافصاح عن مصدر لمعلومة كان قد نشرها، ليجد نفسه متهما بلا إثم أو ذنب.  

كل هذا إنعكس على صورة تونس الخارجية، ليأتي التصنيف العالمي لحرية الصحافة مؤكدا على التراجع، تراجعٌ كان ب21 مرتبة كاملة. 

محاكمة المدنيين أمام قضاء عسكري، وسم آخر أضافه الرئيس سعيد إلى خانة "تراجع الحريات"، فمخلوف النائب بالبرلمان المنحل عن إئتلاف الكرامة مرفوقا بالعباسي والمحامي مهدي زقروبة، وغيرهم من الوجوه المحسوبة على منظومة ما بعد 2011، قدمت لهم منظومة 25 جويلية هدية بإخراجهم "مظلومين" وكونهم "مدنيون يحاكمون أمام العسكر". 

إجراء اس 17 الموضوع لمنع السفر إلا بإذن، هدية أخرى يقدمها الرئيس سعيد إلى "أعدائه"، فجلّ نواب البرلمان المنحل وعدد من السياسيين شملهم هذا الإجراء. 

تقارير المؤسسات العالمية سواء كانت حقوقية أو سيادية كلها تحدثت سلبا عن واقع الحريات بالبلاد، فمنظمة العفو الدولية طالبت بضرورة إيقاف ما أسمتها "التحقيقات السياسية". 

ومنظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت تقارير تنتقد فيها سياسة رئيس الجمهورية مؤكدة ازدياد الملاحقات القانونية في تونس بناء على قوانين "قمعية" ضد الأصوات المنتقدة لقراراته، ومعتبرة أنها تشكل "خطرا" على الحريات. 

"أصدقاء تونس" وشركائها الدوليين ما انفكوا يطالبون بتغيير منهج الرئيس في التعامل مع الجانب الحقوقي، ليذهب بعضهم مذهبا بعيدا في هذا الصدد مهددا بفرض عقوبات على شخصيات تونسية، وهو ما لوح به مشرعون بالكونغرس الأمريكي علنًا. 

ولكن يبدو أن سعيد يصمُّ أذانه عن كل هذا، فالرجل يتلقى التقارير والتصنيفات العالمية بشيء يشي باللامبالاة، حتى انه وصف جهة مختصة في هذا ب"أمك صنافة". 

"أمك صنافة" في وصف سعيد أضحت اليوم خطرا يهدد صفة تونس كدولة عربية ديموقراطية للشعب مرتبة السيادة فيها والإختيار الحر فيها طريقة حضارية يمارسها مواطنوها. 

أما عن الإصلاح الذي يجريه الرئيس على لسانه مجرى الهواء هو مطلب ملح لفئة كبيرة من التونسيين تضررت من نظام بورقيبي همش الهوامش وأتبعه نظام نوفمبري زاد في فقرها، ولحقه آخر نهضاوي أفقد أبناء هذا الوطن من الشعور بالوطنية الكثير وضاعف النزعة إلى الخلاص الفردي، لكن الاصلاح الذي ينشده"ساكن قرطاج" ليس هو ذاته ما تنشده قوى سياسية ونقابية تونسية، تطالب بإشراكها في حوار لا يستثني أحدا إلا من أقصى نفسه.  

مقال رأي