الإستشارة الالكترونية ... أول إختبارات 'الشعب يريد' يرتطم بالواقع 

الإستشارة الالكترونية ... أول إختبارات 'الشعب يريد' يرتطم بالواقع 

أطل رئيس الجمهورية قيس سعيد في خطاب يوم 13 ديسمبر 2021 معلنا لأول مرة عن خارطة طريق وتمش واضح إثر قرارات الخامس والعشرين من جويلية التي جمد بموجبها عمل البرلمان وأقال حكومة هشام المشيشي وحل عدد من الهيئات الدستورية على غرار هيئة مكافحة الفساد. 

خارطة سعيد التي أعلن عنها ليلتها تضمنت محطات إختار لها تواريخ رمزية في أذهان التونسيين، حيث لم يكن الرقم 20 ولا الرقم 25 أو الرقم 17 مجرد إختيارات عشوائية من الرجل، أو تواريخ أملتها الروزنامة الزمنية. 

فأولى محطات ساكن قرطاج كانت الاستشارة الإلكترونية التي إنطلقت مطلع جانفي كأداء تجريبي للمنصة السبرانية لمدة أسبوعين ثم فتحت للعموم منتصف ذات الشهر، على أن تنتهي يوم 20 مارس الذي يتوافق مع هذا اليوم، وهو عيد الإستقلال الوطني. 

والاستشارة الالكترونية هي عبارة عن موقع الكتروني لجمع آراء التونسيين حول مواضيع مختلفة في الشأن السياسي والانتخابي والاقتصادي والمالي والتنمية والانتقال الرقمي والصحة وجودة الحياة والشأن التعليمي والثقافي، على أن تتولى لجنة من الخبراء تأليف مختلف المقترحات التي سيعبر عنها الزائرون للمنصة.  

ومنذ أن أعلن سعيد عن إستشارته التي تعد سابقة في تاريخ تونس، لاقت موجة من الإعتراض بين النخبة والعامة على حد السواء، فهناك من يرى فيها مضيعة لموارد الدولة التي تعاني شحّا ولابد من ترشيدها وصرفها في مواضع أكثر أهمية من الخطط التي لا تغني ولا تسمن من وجوع، ومن يرى فيها مضيعة للوقت وإلهاءً عن خطط هي أكثر جدوى من مجرد إستفتاء إلكتروني لن تعتمد نتائجه بشكل مباشر، وربما يكون الذهاب إلى إنتخابات تشريعية مبكرة الطريق الأسلم لإنقاذ البلاد وإستثمار لحظة الخامس والعشرين من جويلية كدافع فعلي نحو التغيير والتخلص من إرث عشر سنوات من حكم حركة الإخوان المسلمين والأحزاب التي تدور في فلكها، وإصلاح حالة الإنهيار التي تعشيها جلّ القطاعات في تونس والحد من زحف الفساد على حساب نمو الإقتصاد والتعليم والسياسة.  

سعيد سخر للإستشارته عوامل لم تتوفر لغيرها، حتى إن البعض إعتبر أن الدعاية إليها فاقت الدعاية لإنتخابات تشريعية أو رئاسية، فالرجل لم يترك فرصة في مجلس وزاري أو لقاء سياسي داخلي أو خارجي إلا وعرّج على مقترحه. 

التلفزة والإدارة بمختلف أنواعها إنطلاقا من أبسط مكتب إلى الولاية كلها مسخرة تدعو الناس إلى الإقبال والولوج إلى موقع "منصة الرئيس" والإدلاء بمقترحاتهم، حتى إن المؤسسات التعليمية التي يجب فيها الحياد عن كل تجاذب سياسي وظفت كأبواق بإسم قيس سعيد، دور الثقافة هي الأخرى تخلت عن دورها الثقافي وراحت مندمجة في حملة من التطبيل للمشروع الجديد مكرهة أو عن طيب خاطر. 

ورافقت حملات الدعاية مشاهد خال التونسيون لبرهة أنها ذهبت مع بن علي، فالرقص والموسيقى الصاخبة لازلت إلى اليوم محل تساؤل حول منهجية الربط بينها وبين ثقافة التطبيل للحاكم وإخراجه في صورة المنقذ الفذ وإبراز مقترحاته على أنها أفكار لم يأت بها الأولون ولا اللاحقون. 

الاستشارة الالكترونية كانت الإختبار الحقيقي الأول لشعار حملة قيس سعيد الرئاسية "الشعب يريد"، فالشعب لم يرد ما أراد تماما و إن أراد ما أراد الرئيس ليلة 25 جويلية، فالمقبلون على موقع الاستشارة لم يتجاوز عددهم ال500 ألف مشارك، في صفعة للرئيس. 

صفعة يأبى أن يتعض منها ويراجع أفكاره، بل يكابر ويذهب إلى إتهام أطراف لم يجرؤ على تسميتهم يوما بالإسم، كونهم ساعون إلى إفشال "ما يريده الشعب".